السيد محمد الصدر
140
ما وراء الفقه
والمفروض أن يختار من الكمية ما يحصل معه الظن الراجح بالتأديب والارتداع عن الأجرام . وعلى أي حال ، فإنه إن أراد أن يتجنب ( القسوة ) التي ذكرها السائل في إشكاله ، فإنه يستطيع ذلك ويعامل المذنب بمقدار قليل من العقاب وبمقدار كبير من الرحمة ، لكن بشرط أن لا يتعدى ما يجب عليه من حصول الظن بالارتداع والتأديب . المستوي الخامس : من المؤكد القول إن أكثر العقوبات في الإسلام مالية وليست جسدية ، كالديات والكفارات والغرامات وغير ذلك مما سبق ومما لم يسبق . ومن المعلوم أن هذا المستوي من العقوبات لا يرد عليه كلا الإشكالين : لا كونها عقوبة قديمة ولا أنها قاسية . كما أن حقلا واسعا من حقول العقوبات ، هو القصاص ، وهو عدل كامل بمختلف الاتجاهات والقوانين والأديان ، وليس لأحد أن يناقش فيه ، لأنه أخذ للحق من المعتدي بمثل اعتدائه ، أذن فهو طبيعي بحكم العقل والشرع والعقلاء . ولا يرد عليه كلا الإشكالين المشار إليهما . وإنما يردان شكليا ، على بعض الحدود فقط كالرجم والجلد والقطع . وقد عرفنا جوابهما مفصلا . وهناك إشكال ثالث قد يرد في بعض الأذهان على العقوبات الإسلامية ، وهو : أنها تؤدي إلى الإلجاء إلى الطاعة وإلى حسن السلوك . مع أن الإلجاء والإكراه والجبر غير مفروض أو غير ممكن في الشريعة . وقد نطق القرآن الكريم بخلافه حين قال سبحانه * ( لا إِكْراه َ فِي الدِّينِ ) * . ويمكن الجواب على ذلك على عدة مستويات غير متنافية كمستويات الجواب على الإشكال السابق : المستوي الأول : إن هذا الإلجاء إنما يتصور أو يظن إذا كان هناك حكم يطبقه ، إذ ليس لوجوده النظري على الورق أي تأثير كما هو واضح .